الغزالي

46

إحياء علوم الدين

الناس إلىّ المؤمن البخيل ، وأبغض الناس إلىّ الفاسق السخي . قال لأن البخيل قد كفاني بخله ، والفاسق السخي أتخوف أن يطلع الله عليه في سخائه فيقبله . ثم ولى وهو يقول ، لولا أنك يحيي لما أخبرتك حكايات البخلاء قيل كان بالبصرة رجل موسر بخيل ، فدعاه بعض جيرانه ، وقدم إليه طباهجة ببيض فأكل منه ، فأكثر . وجعل يشرب الماء ، فانتفخ بطنه ، ونزل به الكرب والموت فجعل يتلوى . فلما جهده الأمر ، وصف حاله للطبيب ، فقال لا بأس عليك ، تقيأ ما أكلت فقال هاه ، أتقيأ طباهجة ببيض ، الموت ولا ذلك . وقيل أقبل أعرابي يطلب رجلا ، وبين يديه تين فغطى التين بكسائه . فجلس الأعرابي ، فقال له الرجل ، هل تحسن من القرءان شيئا ؟ قال نعم فقرأ * ( والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ) * « 1 » فقال وأين التين ؟ قال هو تحت كسائك ودعا بعضهم أخا له ، ولم يطعمه شيئا . فحبسه إلى العصر ، حتى اشتد جوعه ، وأخذه مثل الجنون . فأخذ صاحب البيت العود ، وقال له بحياتي أي صوت تشتهي أن أسمعك ؟ قال صوت المقلى ويحكى أن محمد بن يحيى بن خالد بن برمك كان بخيلا قبيح البخل ، فسئل نسيب له كان يعرفه عنه . فقال له قائل ، صف لي مائدته . فقال هي فتر في فتر ، وصحافه منقورة من حب الخشخاش . قيل فمن يحضرها ؟ قال الكرام الكاتبون ، قال فما يأكل معه أحد ؟ قال بلى الذباب ، فقال سوأتك بدت ، وأنت خاص به ، وثوبك مخرق . قال أنا والله ما أقدر على إبرة أخيطه بها . ولو ملك محمد بيتا من بغداد إلى النوبة ، مملوءا إبرا ، ثم جاءه جبريل ، وميكائيل ، ومعهما يعقوب النبي عليه السّلام ، يطلبون منه إبرة ، ويسألونه إعارتهم إياها ليخيط بها قميص يوسف الذي قد من دبر ، ما فعل . ويقال كان مروان بن أبي حفصة لا يأكل اللحم بخلا حتى يقرم إليه . فإذا قرم إليه ، أرسل غلامه ، فاشترى له رأسا . فأكله فقيل له نراك لا تأكل إلا الرؤس في الصيف والشتاء . فلم تختار ذلك ؟ قال نعم ، الرأس أعرف سعره ، فآمن خيانة الغلام ، ولا يستطيع أن يغبننى فيه وليس بلحم يطبخه الغلام ،

--> « 1 » التين : 1